حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
201
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكا فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [ التكوير : 23 ] أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل : « رأيت الهلال على السطح » أي وأنا على السطح . وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوسا أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين ، فأخبر اللّه سبحانه أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة . وقيل : الضمير لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أو للّه والمراد قرب المكان بينهما . وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال : دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة . دنا دنو إكرام لا دنو أجسام ، دنا دنو أنس لا دنو نفس . والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم . أخبر بالقصة إكراما وكتم الإسرار عظاما . قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى الضمير في الفعلين إما للّه أو لجبرائيل ، والمراد بالعبد إما محمد صلى اللّه عليه وسلم أو جبريل عليه السلام فيحصل تقديرات أحدها : فأوحى اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم عبده ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي . وقيل : أوحى إليه الصلاة . وقيل : أوحى اللّه إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها . وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك . والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا اللّه ورسوله . ثانيها فأوحى اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ما أوحى أولا جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولا بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة . وعلى هذا يحتمل أن يقال « ما » مصدرية أي أوحى إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن ، أو كلمه أنه وحي أو خلق فيه علما ضروريا . ثالثها فأوحى اللّه إلى عبده جبريل ما أوحى . رابعها فأوحى اللّه إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وغيره من الأنبياء قبله . وفيه إشارة إلى أن جبريل عليه السلام أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء . خامسها فأوحى جبريل إلى عبد اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ما أوحى اللّه إليه . سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد اللّه ما أوحى هو . وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم . قوله ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد صلى اللّه عليه وسلم أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك . ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه . ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك . وقيل : اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره . والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ]